الأحوازيون .. يكتبــون أوجاعهم شـــعرا حتى على القبور(تاريـــخ الأحـــواز)
كتبهازهلولة ، في 24 فبراير 2007 الساعة: 09:12 ص

الأحوازيون .. يكتبــون أوجاعهم شـــعرا حتى على القبور
(تاريـــخ الأحـــواز)
موقع عربستان ـ علي الربيعي / عادل حمود
المصدر : جريدة الصباح
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=33818
ما بين اللحظة والتاريخ،فواصل مهمة من زمن نبحث عنه هنا وهناك،هذه اللحظة هي الرؤية والتواصل في سبيل انضاج مفهوم او معنى الثقافة الشعبية التي حفزت البعض من زملائنا في مدار وخارج الصباح/الملحق ليعمقوا هذا المفهوم عبر مشاهد لم تزل حية وكائنة في وسطنا الثقافي حتى البعيدين ممن كانوا اقرب من حبل الوريد، وهذا دليل اخر يدفع بنا للبحث عن تملك الماهية والعفوية الصادقة المجردة لتمكين المتلقي للاطلاع الاوسع عن جذر له تأريخه الذي همش من قبل النظام المباد والمعاش حاليا وسط ظروف غامضة نحاول جهد استطاعتنا الوصول اليها ومعاينتها ونقلها كما هي دون اية محاباة او نوايا اخرى لهذا الطرف او ذلك.
وبدورنا نشيد بالجهود الطيبة التي ضمنت لنا الجزء الاول من اعداد الملف (الاحواز) الشاعر المبدع سمير صبيح والزملاء عادل حمود واحمد نعمة متمنين لهم دوام الابداع والمحبة.
دخلت وأصدقائي الى ايران عبر منفذ مهران وبعد سفرة ليست بالطويلة بالسيارة كانت معاملات الدخول بسيطة وسهلة لكن الصعوبة كانت تكمن في اختلاف اللغة ولولا مساعدة بعض المسافرين العراقيين الذي اعتادوا السفر لأيران لغرض التجارة او زيارة العتبات المقدسة هناك للاقينا صعوبة أكبر .
أستأجرنا من هناك سيارة خاصة توصلنا الى الاحواز ووجدنا أن سائقها يعرف القليل من اللغة العربية وذلك لكثرة مانقل من المسافرين العراقيين الى تلك المنطقة والذين كانوا يقومون بزيارة أقارب لهم يتصلون بهم من جهة الأب او الجد والذين فرقت بينهم ظروف الحرب العراقية ـ الايرانية وما قبلها من ممارسة النظام السابق.
كنا متجهين الى هناك لزيارة أعمام صديق لي تقطعت بينهم الصلات منذ فترة السبعينيات ولم يحدث بينهم اي أتصال حتى فترة سقوط النظام.
وصلنا الى الاحواز قرابة الساعة الثالثة عصراً وعند نزولنا في المرآب الموحد في المدينة شعرت في داخلي بأني قد عدت الى العراق التفت الى صديقي الذي كان يبدي ضيقه منذ دخولنا الأراضي الايرانية نتيجة لصعوبة التفاهم وأختلاف اللغة وهمست له ”لقد وصلنا الى أهلنا”
كان المرآب شبيها بأي مرآب عراقي مكتظ بالسيارات بينما وقف السائقون وهم ينادون بوجهتهم بغية أجتذاب الركاب وبينما كنا ننزل حقائبنا هرع السواق نحونا وبادرنا أحدهم بالسؤال بلهجة عراقية جنوبية”أنتم عراقيين”؟.أجبناه وسط ذهولنا”نعم،شلون أعرفت؟
”أجابنا”أمبينين!”سألونا عن وجهتنا فاجبنا”رايحين للحميدية”فنادوا على سائق شاب كاظم أجوك عبرية”ساعدنا السائق الشاب في حمل امتعتنا بعد أتفاقنا على الأجرة وشرعنا في طريقنا نحو الحميدية.
في الطريق دار حديث بيننا تبين منه أن سائقنا الشاب هو حفيد لعم صديقي الذي كنا نتجه نحو منزله اغرورقت عيون الشاب بالدموع وتوقف في الطريق وآخذ يقبل صديقي وهو يجهش بالبكاء ويصرخ بصوت متألم صرختنا الجنوبية”يايابها يابوية!”تناول السائق بعدها هاتفه الخلوي واتصل بعمومته ليعلمهم بقدومنا وبينما كنا نقترب من مدينة الحميدية كانت الاتصالات لاتنقطع عن السائق للاستعلام عن المكان الذي وصلنا اليه.
اجتذبتني حينها المناظر المحيطة بالطريق والتي تجللت بالخضرة وسألت السائق ”ألمن هاي الكاع الخضرة”أجابني”هاي لأهل الحميدية.أحنا نشتغل بالزراعة والكاع هنا نزرعها ثلث مواسم بالسنة بالصيف والشتاء وزراعة بلاستيكية”. وما كاد ينهي كلامه حتى وصلنا الى مدخل مدينة الحميدية.
وجدنا مجموعة من الشباب وقد أحتشدوا فأشار السائق الى صديقي حسين وقال له”أبو علاوي.. شوف ذولة عمامك أجو يستقبلونك!”.
كان المنظر مألوفاً وغريباً في ذات الوقت.كان هناك شباب يرتدون الدشاديش البيضاء وأخرون يرتدون القمصان والبناطيل.واكبنا الشباب الى أن وصلنا الى منزل عم صديقي. كان المنزل في زقاق متواضع فقير له نفس سمات أزقة مدينة الصدر أو أي منطقة شعبية أخرى في العراق فالاطفال يلعبون في الزقاق والنسوة يرتدين العباءة العراقية والشيلة والرجال يفترشون الأرض بدشاديشهم ووجوههم السمراء.
عند نزولنا كان هناك حشد من أقارب صديقي وبينما كنا نتبادل التحايا معهم جاء صاحب البيت وهو شاب في الثلاثينيات من عمره وهو يصرخ من بعيد “يايابها يابويه.هله بيكم. هله”.
عند دخولنا الى المنزل وعند عتبة الباب قام صاحب المنزل”حسن الكعبي” ينحر ذبيحة تحت أقدامنا وأقتدنا الى غرفة الضيوف .
ما هي الا دقائق حتى أحتشدت الغرفة بالأقارب الذين كانت الفرحة تكاد تقفز من وجوههم كان هناك شباب في مقتبل العمر وأخرون في متوسطه وكذلك رجال كهول.
ما جذب أنتباهي أن غرفة الضيوف لاتحوي كراسي اوأرائك بل أنها مفروشة بالسجاد والبسط التي اعتدنا رؤيتها في مضايفنا،كان اللباس الشائع عندهم هو الدشداشة العراقية البيضاء والشطفة المطرزة بالون الاسود وخاصة عند كبار السن ولكن من دون العقال الذي يرتديه أهلنا.
بعد الحديث لساعات عن أمور شتى كعشائر المنطقة المتوزعة بين عشائر كعب والبومحمد والواعد والبودراج وغيرهم وعن أمورهم الحياتية والعادات والتقاليد التي لاتختلف عن عادات جنوبنا العراقي وعن أعمالهم التي لاتتعدى الزراعة وتربية الماشية كان هنالك مأدبة فاخرة على نمط مآدبنا من تمن ولحم ومرق وسلطة وخبز تنور طين ولبن.
ما أثار انتباهي أثناء الحديث هو أن الشباب وصغار السن كانوا يتحدثون بلغة عربية مطعمة بالكثير من الكلمات الفارسية وعند سؤالنا عن ذلك أجابونا بأن الدراسة لديهم باللغة الفارسية كما ان التعامل في الدوائر الحكومية والاسواق التجارية يتم باللغة الفارسية مما يتوجب عليهم التعاطي بهذه اللغة كثيراً الأمر الذي أدى الى ضياع الكثير من الكلمات العربية.
عند أنتهاء العشاء أخذ الرجال يتبارون على دعوتنا لطعام الغداء والعشاء للايام القادمة في منازلهم، وصل الرجال الى أتفاق على تلك المسألة بينما كنا نحتسي الشاي الذي تميز بكونه شاياً خفيفاً يميل الى الاصفرار.
عند موعد النوم جلبت النسوة أحسن الفرش الموجود لديهن والذي لم يكن أحد قدنام عليه من قبل ربما،في اليوم التالي أصطحبنا الرجال في جولة في المدينة وسوقها الذي هو سوق شعبي حقاً شبيه بأسواقنا حيث المحلات الصغيرة التي تعرض بضاعتها على الأرصفة والناس الذين يتمشون في الشارع مزاحمين السيارات التي تمر بالشارع الضيق الذي يفصل جانبي السوق.
أصطحبونا بعدها الى منطقة يسمونها منطقة الغابات وهي منطقة مزروعة بالاشجار الكثيفة والتي تعد ملاذا لشباب المدينة للتجوال والتنزه.اشار مرافقنا الى مكان في الغابات وقال ”هنا غنى رعد الناصري،كانت حفلة كبيرة ،حلوة كلش حلوة “.
ومن ثم زرنا مقبرة المدينة حيث يرقد أجداد صديقي .بعد أن قرأنا سورة الفاتحة أخذنا نتجول بين القبور التي تميزت بأنها غير مرتفعة عن الأرض لكن اكثر ماميز تلك القبور هو أنها تغطى بحجر من المرمر.على هذا الحجر تجد أنه قدتم نقش أبيات من الآبوذية أوالدارمي تحت صورة المتوفي وتاريخ وفاته.
وقفت متأملاً الابيات ووزنها ومفرداتها فشعرت بأن كاتبيها كانوا يؤكدون بأنهم أمتداد لعشائرنا رغم تفريق الحدود والمسميات لنا.
23 – 2 – 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























