“مايود والحزام الأبيض “-قصة قصيرة من الأدب الاحوازي -حامد الكناني

كتبهازهلولة ، في 4 يونيو 2009 الساعة: 08:28 ص

المصدر موقع كارون الثقافي في عربستان

كم هي مضحكة واحيانا مبكية ومؤلمة قصص وروايات الاحوازيين عن مشقات السفر و مخاطر رحلة اللجوء بدءًا من ترك موطنهم الأصلي حتى الوصول والاستقرار في الدول الغربية،روى لي احدهم عن قصة سفرهم الى باكستان والمآسي التي عانوها والمصائب التي كانت تنتظرهم هناك وعن صديق لهم اسمه مايود وقصة خروجه من باكستان مرورا بآمستردام ووصولا الى احدى الدول الغربية في اواسط الثمانينيات من القرن الماضي حيث قال :
بعد ما حصلنا على شهادات الدبلوم من الثانوية العامة في ايران قررنا نحن مجموعة من الشباب العربي الطموح ومن أجل ان نصل الى الغرب ونحصل على الشهادات الجامعية التي حرمنا منها بسبب التمييز والنظرة الشوفينية للسلطات الحكومية في ايران تجاهنا نحن العرب،ذهبنا الى باكستان حيث كان الطريق الى اروبا من هناك  وبعد تحمل مشقات الطريق وضرب المهربين وشتمهم وصلنا الى العاصمة الباكستانية كراجي ولكن تعرضنا للنصب والاحتيال هناک وفقدنا كل اموالنا بعد ثلاثة ايام من وصولنا الى كراجي وكان السبب کله من وراء طیبة قلب صديقنا مايود الذي صدّق كلام المهربين ودفع لهم كل ما لدينا من نقود مقدما وعندما عارضته آنذاك كان يقول لي :أنت  قلبك أسود وتسئ الظن في الناس دائما.
بعد ما استلموا المهربين الثلاثة النقود قاموا بنقلنا الى منزل صغير وقديم جدا في ضواحي العاصمة كراجي.  فتح الباب لنا رجل عجوز وكانت تقف خلفه عجوزته ، كان المنزل آئل للسقوط وشبه متروك ومكوّن من ثلاثة غرف طينية ومطبخ صغير وحمام بدون باب،ارشدنا الرجل العجوز الى احدى الغرف الثلاث ،كانت الغرفة مفروشة بقطعتين من الموكت العتيق وفي زاوية الغرفة كانت هناك خمسة بطانيات قديمة وثلاثة مخدات نوم وعلى الجانب الأيمن من الغرفة كانت هناك ثلاث آيات من القرآن معلقة وفي الجانب الاخر صورة كبيرة لرجل دين ذو عمامة كبيرة وعيون محدقة ولحية عشماء وخلف الرجل كانت هناك شمس تشع وكان رأس الرجل في مركزها،حاولت ان اقراء ما كتب تحت الصورة ولكن لم افهم شئ لانها كانت مكتوبة باللغة الاوردوئية ،جائنا بعدها العجوزبأبريق من الشاي ،جلسنا جميعنا هناك وبعدما ذهبوا المهربون الثلاث وبعد ساعة جاء احدهم وهو يحمل كيس مملؤء بالخبز والكباب ،كان مايود متحمسا وحين بدئنا بالاكل خاطبني وقال : دشوف اشلون ذول اولاد حلال وانت گلبک اسود علیهم !
قلت له حينها: من لحم ثوره واطعمه يا اخي مايود!
وبعد ما أكلنا الكباب ،قال المهرب : سوف تأتيكم سيارة عند الفجر لنقلكم الى المطار وعليكم ان تناموا جيدا،فذهبنا جميعنا للنوم، وبعد منتصف الليل سمعنا صياح في المنزل ومن ثم صوت الباب الخشبي للغرفة حيث كان الرجل العجوز يطرقه بكل قوة ،فتحنا الباب ووجدنا الرجل العجوز وهو يرتجف خوفا وكان يشير لنا ان نخرج من المنزل بسرعة وقام بفتح الشباك الذي يطل على الشارع الخلفي للمنزل واما عجوزته كانت تقول لنا :بوليس بوليس وتشير الى الباب الرئيسي للمنزل!
هربنا جميعنا من الشباك وتوزعنا في ازقة هذا الحي الفقير وعند الصباح التقينا جميعنا في ساحة قريبة للمنزل وبعد المراقبة تقدمت انا وطرقت الباب ولكن لم يجبني احدا وبعدها شاهدنا احد الجيران وهو خارج من منزله وسئلناه عن العجوز وعجوزته .
فقال لنا :ان المنزل متروك ولا احد يسكن فيه منذ سنوات! وبعدها بحثنا عن المهربين الثلاثة ولم نجدهم و نزلنا باللوم على مايود وطيبة قلبه.
 بقينا في باكستان لاشهِر طويلة ،كنا في النهار نجوب الشوارع  بحثا عن عمل او مهرب ينقلنا الى اروبا وفي الليل نفترش ونلتحف اوراق الكرتون في الحدائق العامة و بما ان الرجوع بالنسبة يعتبر من المستحيلات ويعادل الموت بقينا على هذا الحال بإنتظار الفرج .
وفي يوم من الايام جاء رجل ايراني اسمه جمشيد يقيم في احدى الدول الاروبية وذلك من أجل نقل اخيه الذي كان التحق بنا بعد قدومه من إيران .تعرفنا على جمشيد وطلبنا منه المساعدة وعندما عرف عن مأساتنا عرض علينا صفقة وهي عبارة عن نقلنا الى احدى الدول الاروبية مقابل حملنا احزمة بيضاء لا نعلم ما في داخلها ،على أقل التقدير كانت مليئة بالمخدرات وبما ان وضعنا مأساوي جدا ونعيش حالة من الخوف والجوع معا لم نرفض العرض المقدم لنا من قبل جمشيد  في تلك الاحوال ،اكثر المتحمسين فينا كان صديقنا مايود الذي تبرع ان يكون اول من يغامر بنفسه ويحمل الحزام الأبيض  على خاصرته لينقله الى اروبا ،كان يقول لنفسه :"لو بيها لو بالجانيها". ذهب جمشيد وبرفقته مايود وجاء به في اليوم الثاني واندهشنا حين شاهدنا مايود وهو كاشخ ومعه جواز سفر جزائري وكان حينها حاملي جواز السفر الجزائري يدخلون اروبا بدون تأشيرة!
ذهب مايود مع جمشيد وأخوه في المساء ،بعد أن اشترط عليه جمشيد أن لا يحتك بهم أو يكلمهم، بل عليه أن يراقبهم من بعيد ويتبع خطاهم ويقلد كل ما يعملون بدون الجلوس بجنبهم أو الكلام معهم مهما كانت الظروف.
أنقطعت أخبار مايود عنا بعد ذهابهم،حتى جمشيد الذي وعدنا بالعودة بعد خمسة أيام لم نسمع عنه شيئا.
بقينا  في حالة ترقب وانتظار عدة شهور،إلى أن توجت رحلتنا بالفرج بعد أن تم نقلنا من قبل المفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة الى السويد .
مرت السنين عن هذا الحدث ،لم افقد الامل في البحث عن صديقي مايود وبعد بحث وتعقيب استطعت الحصول على رقم صديقي بعد ان جائتني اخباره بانه يعيش في اسبانيا ومعروف بأسم يحيى.
وبعد ما تكلمت معه عبر التليفون سافرت هناك ونزلت ضيفا عليه وسئلته عن ما جرى له في تلك الرحلة أي رحلة الحزام الأبيض وكانت روايته :
سافرنا من باكستان الى امستردام كان معي جواز سفر جزائري وكان اسمي في الجواز يحيى، كنت جالسا خلف الاخوين جمشيد وخسرو في الطائرة ونزلنا مطار آمستردام وهناك في امستردام وفي زحمة المسافرين ضيّعتهم وبقيت في الصالة انتظر ساعات وساعات لم ارى فيها جمشيد ولا حتى خسرو حتى اخذني النعاس ونمت على الكراسي في صالة الطرانزيت وعند الصباح جاء عمال التنظيف وسمعت صوت احد يخاطبني ،فتحت عيوني ووجدت امرأة  سمراء  فوق رأسي تكلمني باللغة الانجليزية وحين عرفت بانني لا اعرف اتكلم الانجليزية كلمتني باللهجة المغربية ولكن انت تعرف انني لا اجيد غيراللغة الفارسية وحتى لغتي العربية معجمة  رغم ذلك حاولت ان افهم بعض الكلمات وقلت للمرأة انني كنت مع اصدقائي وضيّعتهم هنا سئلتني عن تذكرتي اعطيتها الجواز والتذكرة معا وعندما شاهدت الجواز الجزائري خاطبتني باللغة الفرنسية وهنا كانت المصيبة الأكبر لأنني لم افهم كلمة واحدة من اللغة الفرنسية،تذكرت طفولتي وايام دراستي الابتدائية وتذكرت معلمي الفارسي السيد مرادي الذي كان يمنعنا من التكلم باللغة العربية وكان يفرض علينا الغرامة حين نتكلم مع بعضنا البعض باللغة العربية داخل الصف و الغرامة كانت عبارة عن وضع 2 غران(ربية) في الصندوق الصغيرالذي كان مركون على طاولة المعلم نفسه كان السيد مرادي فخورا بفارسيته وكان يقرء على مسامعنا كل صباح شعر من أشعار الشاعر فردوسي  والتي كانت تذم وتشتم العرب. تذكرت معلمي السيد مرادي وعرفت انه كان يكذب علينا حين يقول لنا ان اللغة الفارسية لغة عالمية ،فقمت العن المعلم  السيد مرادي وبمن جاء باللغة الفارسية الى موطني.
ساعدتني المرأة واخذتني معها الى مكتب التذاكر وقامت بتعديل تذكرتي و قالت لي اجلس هنا وعند الساعة العاشرة صباحا  سوف تتجه الى البوابة رقم 5 ومن هناك الى مادريد .
وصلنا الى مادريد في النهارولكن في المطار وعند دخولي أوقفني  ضابط جوازات اسباني وبعد ما نظر الى جوازي كلمني باللغة الفرنسية ولكنني لم اجب عليه حينها لانني لم افهم ماذا يقول الضابط وعندها اخذوني وحجزوني في غرفة بمفردي والحزام الابيض اللعين كان معي وبعدها جائوني بمترجم عربي وقال لي المترجم انهم يريدون التأكد من أنك جزائريا فقط وطلب مني هل اعرف احدا في مادريد او اعرف رقم تليفون او عنوان اي شخص من أجل استدعائه لكفالتك واخراجك من هنا وعندها تذكرت رقم تليفون زودني به الايراني جمشيد عندما كنا في طريق المطار في باكستان، فمديت يدي الى جيبي واخرجت الرقم واعطيته للمترجم  وهنا خرج المترجم وبقيت وحدي في الغرفة وبعد يومين من احتجازي جاء رجل كبير في السن انيق وطويل القامة وكان يحمل حقيبة معه ،فتح الغرفة واشار لي ان اقوم واخرج معه وخرجنا معا وفي خارج المطار كانت هناك سيارة سوداء تنتظرنا،كانت السيارة تشبه سيارات الاستخبارات الايرانية(الاطلاعات) المرعبة. جلس الرجل الوسيم جنبي في المقعد الخلفي للسيارة واتجهت السيارة مسرعة الى مركز المدينة وكلما اقتربنا من مركز المدينة كانت تكثر وترتفع العمارات ،كان الرجل الوسيم يكلمني ولكنني لم افهم شيئا من كلامه وكان كل ما يدور في رأسي الهروب  والتخلص من هذه السيارة وهاذان الرجلان فقط ،بعد نصف ساعة من السيروقفت السيارة امام بناية حمراء ونزل الرجل الوسيم منها وهنا قلت هذه هي فرصتي ،ففتحت الباب وركضت بكل قوتي ودخلت في شارع ضيّق جنب العمارة!
كان الرجلان يركضان خلفي لان السيارة لم تتمكن من دخول الشارع الضيّق ،فاما انا كنت اقول لنفسي:"المن تريد الحيل يابو اسكينة" وكنت ازيد من سرعتي! وفي النهاية تمكنت من الهروب والافلاة منهم.
بقيت ادور في الشوارع وفي احد الشوارع شاهدت ثلاثة رجال ملتحين يدخلون عبرباب كبير،فدخلت خلفهم ووجدت نفسي في ساحة مسجد والناس تأدي الصلاة.  خلعت حذائي وحملته معي واتجهت نحو المصلين والحزام اللعين على خاصرتي ،فوقفت خلفهم للصلاة ولكن لم أكن أعرف ان جميع هولاء الناس كانوا يكتفون الايدي حين يصلون! فشاهدني احدهم وانا لم اكتف الايدي! فجائني بعد الصلاة وقال لي: السلام عليكم  اخي المسلم .
قلت له:سلام
قال لي:من أي بلد انت؟
قلت له :انا من الجزائر.
ضحك الرجل وقال: انا من الجزائر يا اخي! ولكن الجزائريون لا يردون التحية  فقط بكلمة سلام  كما يرد الاعاجم والجزائريون يكتفون الايدي حين يؤدون الصلاة ولا يحملون احذيتهم معهم  داخل المسجد بل يتركونها عند الباب.
أضحكني الرجل وقلت له:اسف انا عربي من ايران.
قال الرجل: كيف دخلتم في ايران اذ انتم عرب؟
قلت له : نحن لم ندخل في ايران اصلا وإنما ايران هي من دخلت فينا!
ضحك وقال: هل تقيم او تعمل في هذه المنطقة؟
قلت له: كلا انا جديد الوصول هنا ولا اعرف احدا ،فأخذني الرجل معه الى منزله وبقيت يومين هناك وبعدها وجد لي عمل في مطعم جزائري بالقرب من المسجد،كان الرجل طيب وكريما جدا ولكن كان يزعجني حين يصطحبني للمسجد معه اربع مرات في اليوم ومرة في الصباح الباكروانا نعسان والحزام اللعين على خاصرتي ، بقيت في المطعم أكثر من شهرين وتعدلت لغتي العربية بشكل جيد وكنت اتكلم مع الزبائن وزملائي بدون ان استعمل مفردات فارسية،فاما زملائي في المطعم كانوا كل ما احييهم بكلمة "سلام"  يضحكون وبعدها علموني انه يجب ان اقول: "السلام عليكم" والجواب يجب ان يكون "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته" او على الاقل اقول: "عليكم السلام".
وفي مساء يوم من الايام جاء رجل ايراني بمعية شاب جزائري للمطعم فسئلته عن صاحبنا الايراني جمشيد واخوه خسرو و وصفتهم له وقلت له: لهم امانة عندي وابحث عنهم لأعطيهم الامانة.
وعدني الرجل الايراني ان يبحث لي عن جمشيد واخوه وفي اليوم التالي وقفت السيارة السوداء عند باب المطعم وعرفت السائق الذي هربت منه بعد خروجي من المطار فكان الهروب اول شئ فكرت فيه مرة ثانية فاتجهت  نحو الباب الخلفي للمطعم وهربت.
قمت بتأجير غرفة في فندق قريب من المطعم لمدة ثلاثة ليال وبعدها قمت بمراقبة المطعم الذي كنت اعمل فيه وبعد التأكد من عدم وجود السيارة السوداء في محيط المطعم دخلت الى المطعم،فجاء زميلي الجزائري عزام وقال لي: أين كنت يارجل والعالم كلها تبحث عنك ،لماذا هربت؟
قلت له: خفت من الشرطة!
قال عزام:أي شرطة يا رجل، انت من طلبت صاحب السيارة السوداء وهو ايراني واسمه جمشيد وله امانة عندك وترك رقم تليفونه هنا.
فقمت بالاتصال مع جمشيد وقلت له مازحا لا تأتيني بالسيارة السوداء.
جاء جمشيد وتخلصت من الحزام الأبيض اللعين الذي لم اعرف لحد اليوم ما كان في داخله ،عندها عرفت ان الرجل الكبير في السن والانيق الذي جاء الى المطار كان محامي ارسله جمشيد لكفالتي واخراجي من المطاروالسيارة السوداء كانت سيارة جمشيد وبعدها اراد جمشيد ان يكافئني بمبلغ من المال ولكنني رفضت المكافئة وطلبت منه ان يساعد اصدقائي الذين بقوا في باكستان ونقلهم الى اروبا فقط ووعدني جمشيد بذلك ولكن لم يفعل.
فقلت له: لا بأس يا صديقي،بعد ما ذهبت انت مع المهرب جمشيد،جائنا الفرج وسافرنا ودخلنا السويد بدون ان نحمل الحزام الأبيض اللعين معنا!
فبكى مايود وقال:آه لو كنت اعلم بانكم لستم بحاجة الى جمشيد وحزامه اللعين،لتخلصت منهم في مطار آمستردام وطلبت اللجوء هناك!
 
27/05/2009
حامد الكناني

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على ““مايود والحزام الأبيض “-قصة قصيرة من الأدب الاحوازي -حامد الكناني”

  1. تحیاتی لکم اخینا الکریم وشاعرنا الادیب ابونزارحمدی

    الیوم بعون الله اتوفقت ادخل مدونات ایران واغتنمت هذه الفرصة الثمینه حتی ازور اخوتی و اخواتی فی مدونات مکتوب واقدم احترامی واجدد میعادی وتحیاتی للجمیع

    امنیاتی لکم بلتوفیق الدائم
    اختكم بنت الفلاحية



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق